السيد محمد حسين فضل الله
283
من وحي القرآن
كيانه من دون كلام ، لأن الفطرة تحس بالحاجة إلى اللَّه في كل شيء ، فالإنسان لا يملك أيّة إمكانية للوجود ، أو إمكانية لاستمراره بعيدا عن اللَّه ، ممّا يجعل من وجوده وجودا مرتبطا باللَّه في كل شيء . ففي كل نبضة من نبضاته هاتف يهتف بالوحدانية . قالُوا بَلى شَهِدْنا بأنك أنت اللَّه ربّنا لا إله إلا أنت ، منك الحياة ، وبإرادتك تستمر بنا . أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أي لئلّا تقولوا في حالة اختياركم للخط المنحرف في الإيمان والعمل ، أو تحتجّوا بالغفلة الفكرية والروحية عن مسألة الوحدانية ، لأنكم لا تملكون الأساس الذي يبعث فيكم اليقظة الوجدانية التي توحي بالحقيقة ، فإنّ الفطرة الإنسانية تعتبر أساسا لحركة الوعي الإيمانيّ في كيان الإنسان . أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أو تحتجوا بأن قضية الإشراك لم تكن حالة ذاتية اختيارية ، بل كانت خاضعة للوضاع الطبيعي العفويّ الذي يخضع فيه الأبناء للسير على خط الآباء ، في ما يعتقدون ويعملون ، في عملية محاكاة وتقليد لا يملك الإنسان معها أية إرادة مضادّة فاعلة ، وبذلك يكون الآباء هم المسؤولون عن عملية الكفر والضلال ، فلا مسؤولية لنا في ذلك . وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ، فتأثّرنا بهم بما تتأثر به كلّ ذريّة بالجيل السابق . أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ الذين اختاروا الباطل بملء وعيهم وإرادتهم ، بينما كنا خاضعين في عملية الانتماء لأجواء عاطفية ضاغطة ، لا نملك إلا السقوط أمامها في التجربة الصعبة ، وكيف تهلك الذين انتموا للباطل بوحي العاطفة بسبب أفعال الذين عاشوا فيه بالإرادة والاختيار ؟ وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ للناس ليفهموا كيف يواجهون المسؤولية من موقع الوعي المنفتح على حركة الإيمان في الحياة ، وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى اللَّه ، فيستقيموا في طريق الحق عندما يستبين لهم الجانب المشرق من الأفق الواسع . * * *